المناوي
199
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وقال له إبراهيم بن بشار : أذهب اليوم أعمل في الطين . قال : يا ابن بشار ، إنّك طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته ، وتطلب ما يفوتك ، أما رأيت حريصا محروما ، وضعيفا مرزوقا ؟ فقلت : إنّ لي دانقا عند البقّال . قال : تملك دانقا وتطلب العمل ؟ ! ومن مناجاته : اللّهمّ ، إنّي لم آت الذّنوب جراءة عليك ، ولا استخفافا بحقّك ، ولكن جرى بذلك قلمك ، ونفذ به حكمك ، والمعذرة إليك . ولقيه جنديّ بالبادية ، فقال : دلّني على الدّيار والمدينة . فذهب به إلى المقابر ، فأوقفه عليها ، وقال : هذه الديار . فضربه على رأسه فأدماه ، فرفع رأسه ، وقال : اللّهمّ ، إنّي أعلم أنّك تؤجرني وتؤزره ، فلا تؤجرني ولا تؤزره ، وبكى رحمة له ، فعرفه بعد ذلك ، فجاءه مستغفرا معتذرا ، فقال له : الرّأس التي تحتاج إلى اعتذارك تركته ببلخ . أي أن نخوة الشّرف ، وكبر الرّئاسة كان في رأسي حين كنت أجول في ميدان الخيلاء على فرس « 1 » حبّ الجاه ، وزينة الدّنيا في بلخ ، والآن قد خرج ذلك من رأسي . وقال : وقفت على قبر فانشقّ عن شيخ خضيب ، فقال : يا إبراهيم ، سل فإنّ اللّه قد أحياني من أجلك . قلت : ما فعل اللّه « 2 » بك ؟ قال : لقيته بعمل قبيح ، فقال لي : غفرت لك بثلاث : لقيتني وأنت تحبّ لي من أحبّ ، ولقيتني وليس في صدرك مثقال ذرّة من حرام « 3 » ، ولقيتني وأنت خضيب ، وأنا أستحي من شيبة الخضيب أن أعذّبها بالنار . ثمّ التأم القبر عليه . وقال : عامل اللّه يرك « 4 » العجائب . وقال : سبانا إبليس من الجنّة بخطيئة . فهل لسبيّ من راحة حتى يرجع إلى ما سبي منه ؟
--> ( 1 ) في المطبوع : قوس . ( 2 ) في المطبوع : ما فعل بك . ( 3 ) في ( أ ) و ( ب ) : شراب حرام . ( 4 ) في الأصول : يريك .